المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ معرض الكتاب الدولي ] ليوبولد سيدار سنغور رائد الشعر السنغالي الحديث


!! الناقد !!
07-03-2010, 07:11 PM
فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب 2010م
ليوبولد سيدار سنغور رائد الشعر السنغالي الحديث




سنغور أو سنجور - حسب تعريب المصطلح - هو واحد من أعظم شعراء السنغال، بل هو واحد من أعظم الشعراء في العالم الذين نادوا بقضية التمييز العنصري ضد السود في إفريقيا، ولقد نشأ في أسرة غنية أثناء الاستعمار الفرنسي للسنغال، ولقد ناضل سنغور كثيراً وكان ذكياً - فيما أحسب -، فقد استطاع أن يحتوى الفرانكفونية الفرنسية ليعيد صياغة الحياة السنغالية بحداثة ونكهة فرنسية متحضرة، لذا فقد لاقى الكثير من المعارضين لأنه أهمل الثقافة السنغالية، وأهمل اللغة السنغالية متخذاً من الفرنسية الفرانكفونية لغة وثقافة لبلاده، وقد انتخب الشاعر سنغور أول رئيس لجمهورية السنغال بعد جلاء الاستعمار الفرنسي عن بلاده، ولقد قام الرئيس الشاعر بأعمال جليلة لخدمة قضايا أصحاب اللون الأسود أولئك المهمشين والمحتقرين بسبب لونهم فتمَّ تغليب الفكر والثقافة على اللون والزنوجة، واستحق بذلك جائزة نوبل في الأدب لأن أعماله ودواوينه ركزت على هذه القضايا الإنسانية لصالح الزنوج في العالم.

لقد اعتبره البعض حكيم إفريقيا، بينما معارضوه اعتبروه امتداداً للفكر الفرنسي المستعمر.. لكنه في كل الأحيان قد كسب رهان المعركة، وحرر بلاده من الاستعمار الفرنسي، وأعاد للسنغال هيبتها وكرامتها.

هذا وقد ولد ليوبولد سيدار سنغور في 9 أكتوبر 1906م في مدينة ساحلية صغيرة، حوالي مائة كيلومتر جنوب داكار - والده دوگويي سنغور، كان رجل أعمال ينتمي إلى البرجوازية.

كان سنجور أحد مؤيدي فدرالية الدول الإفريقية المستقلة حديثاً، وهي نوع من دول «الكومنولث الفرنسية».. إلا أن البلدان الإفريقية لم تحبذ هذا الاتحاد.. لذا قرر تشكيله مع موديبو كيتا رئيس مالي مع الاتحاد الفرنسي السابق للسودان (مالي الحديثة).. وكان سنجور رئيساً للجمعية الاتحادية حتى فشلها في 1960م، وبعد ذلك، أصبح سنغور أول رئيس جمهورية للسنغال، وانتخب في 5 أيلول - سبتمبر 1960م، وهو مؤلف النشيد الوطني السنغالي (الأسد الأحمر).

كما أعرب سنجور عن تأييده لإنشاء لجنة فرانكفونية، وقد انتخب نائباً لرئيس المجلس الأعلى للناطقين باللغة الفرنسية في 1982 م، كما كان أحد مؤسسي رابطة فرنسا والبلدان النامية، والتي تهدف إلى لفت الانتباه إلى مشاكل البلدان النامية في العالم.

وهو أول من قال: إن الأبيض لن يستطيع أن يكون أسود البتة، لأن السواد هو الحكمة والجمال.. ولقد قدم لنا سنغور العديد من الأعمال الأدبية الخالدة، وكلها من الشعر الذي يتغنى بالحرية للزنوج السود.

ومن أهم دواوينه الشعرية: ديوان قربان أسود 1948م، وديوان إثيوبيات عام 1956م، وديوان ليليات عام 1961م، وديوان رثاء الصابيات عام 1969م، كما قدم العديد من المقالات والتي ضمت عدة كتب صدرت وترجمت إلى أغلب لغات العالم.

لقد سافر سنجور إلى باريس كأي طالب وهناك تعرف إلى سيزير (سيزار).. وقد نشأت بينهما صداقة من اللحظة الأولى، فصارا يلتقيان يومياً، وبات عصرهما يدين لهما بالكثير.. في نضالهما ضد الاستعمار، يختلط الواحد بالآخر إلى درجة أن المرء لقادر على أن يمزج بينهما، ولقد أسسا، مع الغوياني ليون - غونتران دارنا، ما يُعرف ب «الزنوجة» للنضال ضد العنصرية، ولمساعدة العالم الأسود في الانعتاق من العبودية والاسترقاق.

يقول سيزير: «كنت وسنغور نركز كثيراً على التقاء الحضارات.. كنت أتطلع إلى التعرف إلى السنغال وإفريقيا.. أعرف أنهم إخوة لكن أحداً لم يقل لي ذلك، الكتب على وجه خاص.. تحدثنا عن ماضي إفريقيا، وأنا تحدثت عن ماضي المارتينيك والكريول والهجرة وعالم الاستعمار وفرنسا، وعنا نحن.. ورأيت أننا كنا نتلاقى حول نقاط كثيرة.. وهكذا نشأت الزنوجة».. في أي حال، فإن سيزير هو الذي ابتكر كلمة «الزنوجة»، وهي بالنسبة إليه «مجرّد اعتراف المرء بواقع أن يكون أسود، وقبوله بهذا الواقع وبقَدَر الأسود وتاريخنا وثقافتنا».. قَدَر الأسود المشترك هذا الذي يواجه رهاب العرق الآخر واستغلال الرجل الأبيض، هو الذي دفع سنغور إلى أن يذهب أبعد من سيزير في مفهوم «الزنوجة»: «الزنوجة واقع وثقافة. إنها مجموعة القيم الاقتصادية والسياسية والفكرية والمعنوية والفنية والاجتماعية لدى شعوب إفريقيا والأقليات السوداء في أميركا وآسيا وأوقيانيا».. أراد سنغور الوصول إلى ما يتعدى الاعتراف بالشعب الأسود.. أراد توحيد الشعب الأسود في ظل قانون مجموعة سياسية - اجتماعية - إفريقية واحدة.. حتى إنه تحدث عن «ثقافة سوداء» ترتبط بالطبيعة والأجداد.. وقد تكون هذه الطبيعة بالنسبة إلى الشاعر أكثر حدسية من الأوروبيين «الديكارتيين».. فنفهم لماذا أراد البعض رؤية رد فعل مناهضة للاستعمار من خلال هذه العودة إلى الطبيعة الواردة في تحديد سنغور الإثني.. حتى إن جان بول سارتر حذّر من هذا المسلك الفكري الذي قد يفضي إلى التباس عنصري ضد العنصرية.. لكن نظراً إلى الظروف التاريخية، فقد كان لسنغور الحق الكامل في أن يفعل ذلك كرد فعل مناهض للاستعمار.. ومع كامل احترامي لأعمال سارتر وإعجابي بها، لا أذكر أني قرأتُ له يوماً رواية يكون فيها البطل أسود.. قد يندرج موقف سارتر حيال رد فعل سنغور، عن شعوره كغربي بذنب تقليدي في أوساط الغربيين المناهضين للاستعمار.

أشعار ليبولد سيدار سنغور

في أحد الأيام سُئل الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور عن الخيار الذي ينحاز إليه، بين أن يكون رئيساً، أو أستاذاً جامعياً، أو شاعراً، أجاب: «أختار قصائدي».. ولنا - هنا -أن نتخير بعض المقاطع والتي يتحدث فيها عن إفريقيا السوداء بزنوجتها ومشاكلها وظلم الجميع للإنسان الأسود، ففي قصيدة (من توكو - والي) يقول:

«كانت الحقول مليئة بديدان لامعة

والنجوم تحط على العشب

على الشجر

والصمت يحيط به

وحدها عطور الأدغال كانت تطن

وخلايا النحل التي يعلو دبيبها على تموجات صرار الليل الخفيفة

وطام - طام مقنع وتنفس بعيد في الليل

أنت يا توكو والي تسمع ما لا يُسمع

وتشرح لي العلامات التي يمليها الأجداد في الهدوء البحري

على مجموعات النجوم. الثور، العقرب،

الفهد، الفيل، الأسماك الأليفة...

ليلة من إفريقيا.

ليلتي السوداء

سرية وواضحة».

هذا وشعر ليوبولد سنغور - كما يقول شربل داغر -: شعر إيقاع، شعر شفاهي إنشادي وهي سمته الزنوجية الأساس.. لأنه من عالم يتحوَّل فيه الكلام تلقائياً إلى إيقاع.. فعند الأفارقة، كما يقول، وعند الزنوج، كل شيء صوت، علامة ورمز لمعنى.. وهو أمر مرتبط بالطفولة.. طفولته هو في القرية السوداء السنغالية «جوال» على ضفاف المحيط الأطلسي.. يقول: «عشت في هذه المملكة وشاهدت بأم العين وسمعت بأذني الكائنات العجيبة الواقعة فيما بعد الأشياء: الجنيات في أشجار التمر الهندي والتماسيح وحراس الينابيع - وخراف البحر التي كانت تغني في الساقية، وموتى القرية والأسلاف الذين كانوا يحادثونني ويعلمونني الحقائق المتبدلة بين الليل والظهيرة.. غير أن قوة الصورة الثماثلية لا تتحرر إلا بفعل الإيقاع».

إن سنغور يعتقد أن الشعر هو نفسه الإيقاع، وأن الشعراء الكبار «كانوا سمعيين لا رؤيويين»، بل هم منشدون، وأن الشعر يفقد قيمة أساسية من قيمه إذا لم يلق على منبر.. بل إذا لم ينشد إنشاداً، بل إذا لم يغن بمصاحبة آلة موسيقية. فالترداد أو الترجيع لبعض الكلمات ينطوي على طقس من طقوس السحر.

هنا وفي هذا المفصل بالذات، يلتقي سنغور بالسرياليين الفرنسيين المعروفين، خصوصاً بأندريه بريتون، الذين شددوا على الصفات الحساسية، بل الصفات الشهوانية للكلمات، وجعلوها تتناسل من بعضها بآلية مبدعة كأنها قفير هائج.. الإيقاع إذن في شعر سنغور هو «ختم الزنوجة» على الطرس الفرنسي سنغور - كما يقول الكاتب اللبناني - عقل العويط -:عاش تجربة الانفصال، ذلك أن المنتصر الجديد سيدخل الغابة في الشروط نفسها التي يدخل فيها سنغور إلى أوروبا.. سيواجه الشاعر في هذه المرحلة محنة الليل المساريّ الذي يمضيه المنتصر في قلب الغابة، بلا ملجأ، وسيعرف سنغور الغمرات نفسها، المحن نفسها، والهلع نفسه: محن الليل الأوروبي، ليل أوروبا المترع هو أيضاً، شأن الليل الإفريقي، بصراخ الحرب والحقد والكراهية.. لكنه سيتخطى ذلك مرتقياً إلى مرحلة روحية متقدمة حين سيتعلم أن يحضر ويتسامى ويتعالى مختبراً طقوس الموت والانبعاث وتفتح المعرفة.. وها هنا، سيشهد الشاعر لانغماسه في الينابيع الزنجية ولتطهره في ينابيع القيم المسيحية للغرب، حيث سيتم اكتشاف الوجه الآخر من «مملكة الطفولة»، الأمر الذي يتيح له أن يكتب بأمل عظيم شعرية الحضور الكونيّ.

هذه المراحل، وهي ثلاث ستشكِّل الإيقاع الثلاثي الذي يمنهج تفكير الشاعر: لا نظرة ستنغلق على نفسها، وكل فكر هو مرحلة في اتجاه أبعاد أكثر شيوعاً واتساعاً وعمقاً.. في «أغاني الظل» سيكتب سنغور قصائد تقوده إلى استشعار التطور المرتبط بتعميق الرسالة.. وهذا لا يتعلق بسنغور الزنجي الذي يشعر بالحنين، لأنه متوحد داخل غرب مثير للاستلاب فحسب، بل يتعلق بالإنسان خصوصاً، أي بكل شخص يعيش مأساة الانغلاق العقلاني وهزال القلب.. سيقف سنغور متأملاً الإنسانية التي تدمّر نفسها، فتصعد إلى شفتيه القيم الزنجية.. وها هي صرخات الهواجس والثورة تنبجس وتتدفق موجات متتالية عبر قصائده، فيقلب الشاعر الحواجز ويُرينا الواقع تحت أضواء الحكمة والفلسفة الزنجية.. سيكتب «التساميات» التي تظهر انتهاك الجدران والحدود سعياً وراء الأعماق.. وهو سعي يفتش فيه الإنسان عن تعدده وتنوعه وكثرته، أي عن حريته الجوهرية: حرية الحب التي سيرفضها العالم المعاصر ويمنعها عنه، وذلك من طريق تصرفاته وأيديولوجياته.. لكن حركته الشعرية ستواصل إيقاعها بطريقة دائرية حلزونية، فتتطور الموضوعات ويغتذي بعضها من بعضها لتنكشف تدريجياً عن البحث الكلي الذي يشغل سنغور: السعي إلى اتفاق المصالحة.. فسنغور يدعونا إلى دخول عالمه لفك رموز المهمات والرسائل ذات النزعة الإنسانية «المهجنة» بكل المساهمات الثقافية للمجتمعات.

دخول العالم الأبيض القصيدة الأولى في «أغاني الظل» تظهر عزم سنغور على دخول العالم الأبيض الذي كان يراقبه في مرحلة أولى، من مسافة، أي من «برجه الزجاجي».. لكنه سيغادر البرج وسيخرج من فضائه المغلق والحميم الذي كان يتنشق فيه هواءه الخاص، في ألفة الأفكار والذكريات وعطور الأجداد والأسلاف.. سيغادر هذا المكان الآمن لأن الزجاج يتيح للشاعر رؤية العالم من عل، من بعد، بدون أن ينسج أي اتصال.. البرج الزجاجي مكان يقدّم له العالم من خلال الزجاج ويجعله أمام عينيه مشهداً أخرس.. الزجاج يحميه لكنه يعزله.. هو يقترح عليه الرؤية لكنه يسرق منه المعرفة.. جالساً، فوق، لا يستطيع الشاعر إلاّ أن يتأمل، بصمت، صمت السطوح والتلال في الضباب.. هذا الالتزام يخيّم على ديوان «أغاني الظل» ويستعيده الشاعر عبر السفر والرحيل والاقتلاع وهواجس القلق والذكريات والآلام المرتبطة بضرورة التخلي الذي يفترضه كل رحيل.. لكن الشاعر يريد أن يكون وأن يعرف، فتستولي عليه هذه الإرادة لأن «روحي تتطلع إلى اجتياح العالم الذي لا يُحصى، وإلى أن تنشر أجنحتها».. ولأجل هذا التطلع، تحضر حالات كسر الحواجز وتحطيم الجدران.. وهذا يرتبط لديه بما قاله عام -1939: «الموضوع يتصل بمعرفة ما هو مصير الإنسان.. أيجب أن يجد حلّه عبر داخله فحسب، أم أن الإنسان ليس إنساناً في الحقيقة إلاّ إذا تجاوز نفسه لإيجاد تمامه خارج الأنا وخارج الإنسان؟».

هوامش:

لمن أراد المزيد عن سنجور فليرجع إلى كتاب شربل داغر في ترجمته لأشعار سنجور: طام - طام زنجي (مختارات شعرية من ليولولد سنغور)، ترجمة شربل داغر - سلسلة إبداعات عالمية 2002 م، الكويت:

وللاستزادة يراجع: عقل العويط، سنغور شاعر التهجين وديناميكية الهواء.

سليمان الأفنس الشراري
رئيس اللجنة الثقافية بطبرجل

جريدة الجزيره

http://www.al-jazirah.com/829248/cu1d.htm

اسكندر
07-03-2010, 09:49 PM
الف شكر لك اخي الناقد على المعرض الرائع

المسافر
07-03-2010, 10:31 PM
يعطيك العافيه اخي الناقد

على الطرح الرائع..........

كما اشكر اديبنا سليمان الأفنس

الفراشه
08-03-2010, 11:15 AM
مشكور اخي الناقد على الخبر ويعطيك ربي العافيه .... ودمت في امان الله